تحليل أدبي ونقدي لقصيدة (كفى عذابي) جبران بن سلمان سحّاري . (مؤسس مدرسة الميزان للنقد الأدبي) .
هذه القصيدة بعنوان (كفى عذابي) للشاعر/ محمد بن عبد الرحمن الآنسي، وهي من البحر (البسيط)، ويدخله الزحاف، وقافيتها: الراء السابقة للتاء المربوطة، نشرت في (جريدة الفضول) لصاحبها/ عبد الله بن عبد الوهاب نعمان . أولاً: التحليل الأدبي: كفى عذابي دخيلَكَ فافهم الجُورة *** حبي سباني فدع للقلبِ مقدورهْ قوله: (كفى عذابي دخيلَكَ) أي: يكفي ما أنا فيه من العذاب الذي حلّ بي، وقوله: (دخيلك) أي: أنا داخلٌ عليك في جوارك، وهو كما لو قال: دخلتُ عليك من كذا أي: استجرتُ فأجرني، ثم فسّر ذلك وأكده بقوله: (فافهم الجُورة) والأصل: الجُوَرَة بضمٍّ ففتحٍ بَدَل جارَة من الجوار، ولكن سُكِّنتْ الواو للتخفيف؛ حيث إن التحريك ثقيل . ثم قال: (حبي سباني) أي: سبى قلبي وتفكيري، (فدع للقلبِ مقدورهْ) أي: ما يقدرُ عليه ويحتمله . كم عشتُ أهوى وقلبي يشتكي ألماً *** دهراً أقاسي وتسبي طلعتي الصورة ثم قال: (كم عشتُ أهوى) أي: أهواك، وحُذِف المفعول؛ للعلم به، (وقلبي يشتكي ألماً) أي: يشتكي من شدةِ الألم فقوله: (ألماً) تمييزٌ أو مفعولٌ لأجله. ثم قال الآنسي: (دهراً أقاسي) أي: مكثتُ دهراً أقاسي هذا الحب وأصلى بلظاه، (وتسبي طلعتي الصورة) أي: أذهب معها عند ظهورها ويسرحُ تفكيري فيها . أهيمُ من منبع الإصباح في قلقٍ *** وأنتَ نومٌ بعشٍّ مثلَ عصفورة ثم قال: (أهيمُ من منبع الإصباح) أي: يطغى عليّ الهيام من أول الصبح الذي هو منبعُه، وفي هذا ما فيه من المعاناة؛ حيث إن الإنسان في الصباح غالباً ما يكون خاليَ الذهن والتفكير ! وقوله: (في قلقٍ) أي: حالة كوني في قلق، فالجملة حالية . ثم قال: (وأنتَ نومٌ بعشٍّ) عبّر عنها بالمصدر وهو (نوم) لأن التعبير بالمصدر أبلغ؛ حيث لم يقل: (وأنتَ نائم) أو (وأنتِ نائمة) وأقامها مقام المذكر على معنى (الخل) وهكذا لغة القصيدة كلها، وقوله: (مثلَ عصفورة) تشبيهٌ وتأكيدٌ لصورةِ النوم . أبقى على الحزن والأشجان تخنقني *** وأنتَ مثلي تناجي الهمَّ والنُّورة وقوله: (أبقى على الحزن) أي: ملازماً للحزن كأني مضطرٌّ إليه، بينما الواقع العكس؛ حيث إن الحزن يلازمه دون اختياره ! ثم قال: (والأشجان تخنقني) فهذه صورة لمدى التأثر البالغ وشدة المعاناة مع محبوبه ونسب الخنق للأشجان على طريق المجاز العقلي عند جمهور البلاغيين، وعلى طريق الاستعارة بالكناية عند السكاكي؛ لأنها سببُ الخنق لا الفاعل حقيقة . ثم قال: (وأنتَ مثلي تناجي الهمَّ والنُّورة) هنا عرّج عليها بأنها مثله في همِّ، ولكنه همٌّ من نوع آخر؛ حيث تناجي الهم فجَعل الهمَّ شخصاً يُنادى ويُناجى، وكذلك (النورة) وهي: بضم النون الحالقة لكل شيء، وهي مما يعكرُ الصفو، وهو ما يريده هنا؛ حيث إنها مشغولة عنه أيضاً، بل ربما بشيءٍ آخر . كم كنتُ أسعى إلى لقياك من زمنٍ *** وللمحبين في التاريخ مأثورة ثم قال: (كم كنتُ أسعى إلى لقياك من زمنٍ) فالحب عنده قديم، ولهذا أكّد ذلك بقوله: (وللمحبين في التاريخ مأثورة) أي: لهم في التاريخ قدم وثيقة مأثورة بالحب والجمال والارتياح لهذه المسيرة . بالله يا عاذلي ارفق بمعذرتي *** وارحم دموعي ففي الخدين (نافورة) ثم ذهب يرجو ويطلب بقوله: (بالله يا عاذلي ارفق) أي: أناشدك بالله أن ترفق بي، وأن تجود بـ(بمعذرتي) ثم قال: (وارحم دموعي) لأنها في تسكابٍ بعدك، والدليلُ قوله: (ففي الخدين نافورة) وهذه كناية عن كثرةِ الدموع؛ حيث عبّر عنها بكلمة (نافورة) وهي مستوردة دخيلة على القاموس العربي، لكنها صالحة في هذا المقام؛ لما تحويه من معنى بليغ، فلعلها تكون مغتفرة، ولو وجد أحسن منها لأتى بها . النومُ يجفو عيوني، لن يُكحلَها *** والجسمُ يذوي وعظمي شبهُ مقصورة ثم قال: (النومُ يجفو عيوني) لأن العاشق لا ينامُ غالباً، وقد أكّد ذلك بقوله: (لن يُكحلَها)، ثم قال: (والجسمُ يذوي) أي: يصبحُ ذاوياً كالعود، (وعظمي شبهُ مقصورة) أي: يشبه حيطان الدار لجموده وحيطان الدار تسمى: مقصورة، أو يشبه عظم الناقة لتماسكه مع سرعةِ تفتته؛ حيث إن الناقة أيضاً تسمى: مقصورة . حاولتُ عرفانَ هذا السرِّ في مرضي *** عرضتُ نفسي على طبِّ ابن منصورة ثم قال بعد ذلك: (حاولتُ عرفانَ هذا السرِّ في مرضي) أي: أسباب كل ما تقدم من العذاب الذي سماه مرضاً فقال:(عرضتُ نفسي على طبِّ ابن منصورة) وابن منصورة: أي ابنُ أرضٍ منصورة، فاستغنى بالصفة عن الموصوف، والمنصورة هي: الممطورة، أي: أنه طبيبُ أرضٍ خصبة، وبها يُضربُ المثل في تفوق الطب . ثم أفاد بأنه لم يكتفِ بهذه المحاولة من جهة الطب بل قال: وما تركتُ خبيراً لستُ أسأله *** أفتى: علاجي بشربةِ ماءِ مقطورة . (وما تركتُ خبيراً لستُ أسأله) وهذه كناية عن شدةِ بحثه عن علاجه واستفراغه الوسع في ذلك، أنه ما ترك خبيراً إلا سأله، فماذا كانت النتيجة؟ (أفتى) أي: أجاب بأن (علاجي بشربةِ ماءِ مقطورة) أي: يتدواى بشربةِ ماءٍ مقطورة والمقطورة: التي خلطت بالقطران المعروف، وهذا دليلٌ على أن لا علاج له إلا الموت؛ لأن من شرب الماء مع القطران فذلك سبيلُ هلاكه؛ لأن القطران يطغى على الماء فيُتلف شاربه كما يقولُ الأطباء وخبراء الأعشاب، وإلى هنا ينتهي هذا التحليل الأدبي . ثانياً: التحليل النقدي: * من مواضع النقد على القصيدة: ـ قوله في مطلع القصيدة ـ صدر البيت الأول ـ: (كفى عذابي دخيلَكَ فافهم الجُورة) هذا فيه زحافٌ شديدٌ وهو: تحريك الكاف من (دخيلك) ولكنه مغتفر؛ لأن القصيدة من البحر (البسيط) وهو يحتمل الزحاف غالباً . وأيضاً كلمة (الجورة) معناها خافٍ قبل التحليل . ـ قد يعيب بعضُ النقاد كلمة (نافورة) ولكني بيّنتُ وجه صلاحيتها هناك، ولاشك أنه لو وجد غيرها لكان أولى وأحسن . ـ قد يُؤخذ عليه الإبهام الشديد في قوله: (شبه مقصورة) وقوله: (ابن منصورة) لاحتمال المعاني الواردة، ولعلي وصلتُ إلى ما يقصده في التحليل . ـ قوله في عجُز البيت التاسع: (أفتى: علاجي بشربةِ ماءِ مقطورة) فيه: زحافٌ ثقيلٌ أيضاً كسابقه، ولكنه مغتفر، ومع ذلك فلو سلمَ منه لكان أولى . والقصيدة في الجملة قوية مجنِّحة، تستحق الوقوف معها والتأمل، والله الموفق .
|